الــدرامــا

تستقي الدرامات المحلية في العالم كله أفكارها ومواضيعها من واقع حال مجتمعها بالدرجة الأولى، ومن هنا تكون هذه الدراما بمثابة صورة إعلامية فنية عن مشكلات سياسية واجتماعية واقتصادية يضيق بها صدرالمواطنين في تلك المجتمعات.

عندما تخضع الدراما لمشيئة السلطة السياسية، تصبح أداة في يدها لتسخير المجتمعات وتنويمها، خضوعها للسطلة يفقدها حريتها بشكل كامل، خاصة في الأوقات العاصفة وغير المستقرة التي تمر بها السلطة السياسية، وأمام هذا الخضوع تبحث الدراما عن حلول لتجميل نفسها، فتركّز على تفاصيل إنتاجية، فتأتي مثلاً بصورة مبهرة، تحاول التغطية فيها على عورتها المتمثلة بسذاجة موضوعاتها، وتبعيتها، وفقدانها لحريتها.. ولعل الدراما السورية نموذج بالغ التعبير عن هذا الخضوع.

الدراما التلفزيونية محرقة، فرن متأجج النار، والدخول إليه يعني الاحتراق، لذلك فإن النجاح في التلفزيون بمعنى أو بآخر هو الخروج منه بأقل قدر ممكن من الخسائر.

الكــومــيديـــا

الكوميديا مزاج شخصي، وفن مخاطبة قد لا يروق للبعض تبعاً لمزاجه أو أفكاره أو قناعاته. هي شكل فني مرتبط بالواقع السياسي وبالديمقراطية، فطالما هناك ضعف بالممارسات الديمقراطية فإن الكوميديا مغلوب على أمرها حتماً.

النص الكوميدي بحاجة إلى متنفس واسع من الحرية الاجتماعية، بحاجة إلى ديموقراطية حقيقية، وإلى رقابة ذكية عالية الفهم والإدراك، وغير ذلك فإن الكوميديا تصبح وليدة مصادفات لا أكثر.

الكوميديا نتاج واقع يتبدل كل فترة بحكم الظروف السياسية أو الاقتصادية والاجتماعية التي تتغير تطوراً أو تخلفاً تؤثر على المزاج الجماهيري العام، فيتطلب ذلك قواماً جديداً من الكوميديا شكلاً ومضموناً.

أن يختار الممثل في مجتمعاتنا (دول العالم الثالث) اللون الكوميدي في التمثيل، ويحصر نفسه فيه، فهذا يعني نهاية سريعة ومؤلمة، وذلك لأسباب متعددة أولها حجم الحرية المنقوص، ثم فقدان المؤسسات سواء الرسمية أو الخاصة التي تدعم مسيرة الفنان الكوميدي، فالأمر كله يعود للصدفة، وهذا الكلام أدركته المجتمعات الفنية المتقدمة، فكان الممثل الكوميدي يختط شخصية واحدة طوال عمره مثل شارلي شابلن ونورمان ويسدوم ولويس دوفينيس ومستر بن وغيرهم. هذا يدل على أن تقديم الكوميديا بحاجة لمؤسسة أكبر بكثير من طاقة الممثل الفرد، مؤسسة تقدم الرعاية والمتابعة والأمن بالمعنى الحقيقي للكلمة للممثل الكوميدي. ومن هذا المنطلق فإن مستقبل الكوميديا في منطقتنا مرهون بالمستقبل الديموقراطي.

الــرقــابــة

أول ما يلغي التميز هو الرقابة، فسيفها يجعل كل المنتجات متشابهة، طالما أنها كلها تستقي من المؤسسة نفسها الشروط ذاتها، فيصعب معها إذاً التمييز بين الغث والثمين.

في فضاء الاستبداد العربي القديم المستمر،  تم اقصاء الثقافة كشرط رئيس لاقصاء المجتمع من دائرة الفعل، فكان لا بد من جدار المنع السميك،  الذي يضمن تقوقع المجتمع وعدم تعرّضه لمحتوى معين إلا بعد تدقيق هذا المحتوى، خوفاً من أن يلفت نظر المواطن إلى ضرورة تغيير أي شيء.

والرقابة ليست مجرد قوانين محددة من قبل منظومة سياسية سلطوية، إنما هي أعمق من ذلك بكثير، فشروط الرقابة الرسمية يمكن التعامل معها أحياناً بشكل أو بآخر وهي شبه واضحة، ولكن الرقابة الشعبية مبهمة  وغير محسوسة وشرها عنيف، هي رقابة تحرص على تكريس أعراف المجتمع وتدافع عنها ولا تتوانى أن تستخدم الدين حجة وذريعة لتحريم أي وجهة نظر جديدة ومعاقبة صاحبها. إنها الرقابة الشعبية التي ترفض كل المواضيع التي تكشف عيوب مجتمعها وتخلفه ومذهبيته ونرجسيته. إنها رقابة الناس الذين يرفضون التطور والاندماج مع ما هو معاصر، فهم لم يحتكّوا بغيرهم ولم يواجهوا واقعهم وهم شريحة كبيرة جداً.

حقول المسرح والسينما والرواية والشعرفي ثقافتنا العربية بحاجة ماسة إلى التجديد والابتكار الفكري، ولكن هذه الحقول عاجزة عن الفعل في ظل الضوابط الإجتماعية المستبدة والمعقدة ناهيك عن السياسية منها.

الـفـنـان

الفنان هو مواطن ليس فاعلاً في شأن بلاده أكثر من أي مواطن آخر، إنما تكمن مهمته الحقيقة في البحث بين الركام عن الجمال وتقديمه للناس، وحين يفلح الفنان في ذلك يشعر بالسعادة والنشوة. لذا يجد الفنان نفسه دائماً في مرحلة البحث عن هذا الجمال، ليشعر بتلك النشوة اللذيذة والسعادة عندما يحسن التقاطه وتقديمه للآخرين.

ربما كان خجل المجتمعات العربية المرتعدة والخائفة يدفعها لقبول نفاق بعض الفنانين الذين كثيراً ما يتصدرون الشاشات للحديث بما هو خارج اختصاصهم. ولعل خجل السلطات العربية من جبنها وعجزها عن المواجهة يدفع بها إلى اللجوء للفنانين التابعين والمتباكين الغاضبين، فتظهِرهم على شاشاتها ليتكلموا عن ألم الشعب الحاقد والصامت، وليغنوا للوطن الجريح، فيما لا دور لهم غير ذلك، فالقادة والمسؤولون السياسيون هم أصحاب الأدوار الحقيقية في البلاد، وهم من يجب أن نراهم على الشاشات يدلون بدلوهم ويشرحون للجميع مخاطر الأحداث وانعكاساتها السياسية والإقتصادية والإجتماعية، هم السلطة وهم الذين يعرفون أسرار اللعبة أكثر من غيرهم، وليس للفنان دور مهم في كل ذلك يزيد كثيراً عن دور أي مواطن.

الــنــجـــم

هو من يذهب الناس إليه ليحضروا أفلامه السينمائية أوعروضه المسرحية، ويدفعون النقود لثقتهم وإعجابهم وشغفهم بفنه، فالسينما والمسرح فقط هما من يصدّران النجوم الحقيقيين. أما النجم التلفزيوني فهو لقب تجاري تطلقه الشركات الفنية والمحطات التلفزيونية، على ممثل يريدون تسويقه وبيع نتاجاتهم من خلاله، بينما عندما يطلق الجمهور على فنان لقب نجم  فهذا يعني أنه يستحقه، لأن الناس لا تبغي من ورائه الربح الوفير، بل على العكس هي تمنحه مكافأتها وتقديرها له.

لقب النجم هو لقب فضفاض على الممثل التليفزيوني، الذي يدخل البيوت عنوة، بعكس الممثل المسرحي أو السينمائي الذي يقصده الناس، تاركين بيوتهم والتزاماتهم، ويدفعون لأجله المال.

الــدرامــا الــتــاريــخــيــة

التاريخ غير الإشكالي والمتفق عليه من قبل جميع المكونات الدينية والقومية، لا تزيد الدراما فيه شيئاً عما يرد في الكتب، هي فقط تقديمه بشكل جديد، لا يزيد سوى من تكراره.

فيما قصص الجرائم والعنف في تاريخنا العربي مثلاً، تلك التي تستحق الظهور، هي الغائب عن هذا النموذج الدرامي.

مع العلم أنها هي القصص التي تستحق التأريخ، أكثر من القصص المدرسية التي يعرفها الجميع.

الســـيـنـمـا

الفكرة التلفزيونية قصيرة وسريعة أو أشبه بحبة المسكّن، أما الفكرة السينمائية فتأخذ بعداً أكبر وأعمق لتغدو شكلاً حضارياً من أشكال السلوك البشري، وتطرح وجعاً أليماً سواء كانت بقالب كوميدي أو تراجيدي، النص السينمائي مكثف وبعيد عن الثرثرة والتفسيرية، هذا التكثيف يتطلب من الممثل أداءً روحياً خاصاً وانفعالاً مكثفاً أيضاً، الحديث هنا عن الفارق بين السينما والمسلسل التلفزيوني الجيد، أما الرديء فهو خارج أية مقارنة ابداعية.

ترتبط السينما مباشرةً بإمكانيات الشعوب المادية، وبدخل المواطن، فهي تحتاج إلى إنفاقه الخاص، من أجل شراء التذاكر والتنقّل وما إلى ذلك، لذا فحضورها في بعض البلدان كغالبية البلدان العربية بحاجة أساساً إلى تحسين دخول المواطنين.

تحتاج السينما لرؤوس أموال شجاعة تفتح الدرب لرأس المال التجاري، وأكثر المرشحين للعب هذا الدور في مجتمعاتنا العربية هو الدولة نفسها ، لذا فغياب السينما هو مسؤوليتها.. هي المسؤولة عن تدمير الإنتاج السينمائي الخاص في مرحلة سابقة وهي المسؤولة عن نهضته بالوقت الحالي .

“أحب السينما، وأحب الطريقة التي تعمل بها، فهي تناسب مزاجي أكثر، لكن تبقى السينما السورية سينما فقيرة الحال، ولا أقصد الفقر المادي المزمن والملازم لها وحسب، بل هناك عيوب من نوع آخر مثل: ضعف الخيال، الرغبة الدائمة بالتنظير، وسطحية النص الذي يكتبونه أو الموضوع الذي يختارونه، لذلك ترى الممثل السوري ليس عنده رغبة بالعمل السينمائي إلا من باب الفضول والتعرف إلى السينما، لأن ما يقدمه التلفزيون هو أغنى بكثير من هذه الحالة السينمائية المتواضعة وأكثر جماهيرية، وبخاصة أن مجتمعنا العربي عموماً هو مجتمع تلفزيوني بامتياز، مجتمع متفرّج فقط، وهو يشبه بالضبط دوره في الواقع الاجتماعي والسياسي الذي يحياه”.

الســلــطــة

في مجتمعاتنا العربية السلطة هي مصدر الخوف والهلع في قلوب الناس، وهي القوة التي تردع من يفكرون بالتغيير الديموقراطي، أو الحرية، هي على الأقل تسعى لتحويل اهتمامات الجموع، من الهموم العامة والحريات والثقافة، إلى الهموم الخاصة بتحصيل لقمة العيش، وحماية الأفراد من الخطر الدائم المتمثل بالسلطة ومؤسساتها.

في بلد كسورية السلطة هي أكبر مجحف بحق العمل الثقافي والفني، وما تقدمه من اهتمام ورعاية ودعم مالي هو ليس بهدف تطوير العمل الفني وإنما بهدف تقويضه السيطرة عليه، واللعب بمكوناته، وإخضاعه لصوت واحد هو صوت القائد.

الــجـــوائـــز

أغلب صانعي الأعمال الفنية لايسعون للجوائز ولاتهمهم بالأصل، وإنما همهم الأساسي هو بيع منتجاتهم، لذا فالوظيفة الحقيقة للمهرجانات التي توزَّع فيها الجوائز هي الترويج للأعمال ومن ثم بيعها، فيما الأعمال التي تنتج في بلادنا وترشَّح للمهرجانات تكون بالأساس قد حصلت على الترويج وبيعت بشكل جيد مسبقاً، ومن الممكن أن تكون رابحة أيضاً، لذلك فالجوائز غير ذات معنى هنا.

منح الجوائز للأعمال الدرامية التلفزيونية كالأعمال السورية مثلاً غير مناسب، لان العمل دون مستوى فكرة الجائزة ونبلها، لسببين الأول أن الدراما غير حرة لا على المستوى الاجتماعي ولا على المستوى الرسمي، والسبب الثاني ضعف تقنياتها الشديد، والجائزة هنا تأتي لتكرس ماسبق، وتخدع الجيل القادم الذي سيسخر منا على توصيفنا وتقييمنا لهذه الأعمال التلفزيونية المفبركة.

من الممكن أن نجد عملين أو ثلاثة يستحقون المنافسة على الجوائز لكن هذا العدد القليل غير كافي لإقامة مهرجان وتوزيع جوائز وبالتالي لاوجود للمنافسة من الأصل، وصناع الدراما لا يسعون للجوائز ولاتهمهم بقدر ما يهمهم  بيع العمل.

أما التكريم فهو وفق ما يتبدّى في مجتمعاتنا، حالة مشابهة بحالة التفقد في المدارس أو قطعات الجيش، هو بلا قيمة حقيقة، بلا انتقاء رزين، بلا تقييم نقدي، بلا حالة احتفالية يمكن أن تترك ذكرى أو أثراً.

المســـرح

المسرح أكبر وأهم وأعقد من كل تقنيات الفن التلفزيوني، فالخيال المسرحي يتجاوز بكثير خيالات التلفزيون، ومن لا يعمل بخيال مسرحي أصيل مع مسرحه يفقد مبرر عرض مسرحيته على الخشبة والأحرى به أن يعرضها في استوديو.

المسرح في سوريا تحول إلى حلم، وهو أمر محزن بشدة، وما زاد في رداءة وضع المسرح دخول العقلية التلفزيونية إلى كواليسه ، فتتلفز المسرح وصار عبارة عن مجموعة من التمثيليات التلفزيونية التي تقدم على خشبة مسرحية.

اختصاصيو المسرح عندنا فقراء معدمون ، والاحتكاك بالتجارب الأخرى معدوم ، واستقدام خبرات أجنبية نادر الحدوث .

«نحن لدينا الطاقات والكوادر التي تستطيع أن تنشئ هذا الجيل الجديد المتذوق والمثقف، لكنها للأسف هي جزء من الهدر الثقافي العام، تستطيع هذه الكوادر والطاقات أن تخلق جيلاً مسرحياً من أطفالنا من خلال المسرح المدرسي الذي ساهم مع المسرح الجامعي فيما مضى في تكريس طاقات عدد من المبدعين والنجوم”.